News Ticker

Chaldean Culture – الهوية الكلدانية في الوثائق التاريخية

القسم الاول

Chaldean Culture

الهوية الكلدانية في الوثائق التاريخية

 
******************

)القسم الاول)

بقلم المطران سرهد يوسپ جـمّو 

          عند قدوم رسل المسيح الى بلاد النهرين وفارس، كانت هذه البقاع تحت سيطرة الدولة الفرثية، التي عقبتها في الحكم السلالة الساسانية، وذلك من القرن الثالث الميلادي حتى عهد الفتوحات العربية. وكانت الدولة الفرثية ثم الساسانية تقسم المناطق التي تحكمها الى ممالك صغيرة، او الى اقاليم ادارية تسّميها مرزبانات. عهد ذاك كانت الزرادشتية هي الديانة الرسمية في تخوم الامبراطورية الفارسية، وكانت الآرامية، بلهجاتها المحلية، هي اللغة السائدة بين سكان بلاد النهرين وحواليها. ولأن هذه عناصر الهوية، ومنها اللغة والدين والانتماء الى دولة، كانت مشتركة بين اهل البلاد الرافدينية عموماً، اتخذ الانتساب الى اقليم او مدينة معينة معنى التمييز الشخصي والانتماء الخاص. فكان المرء فلاناً من حدياب، او من ميشان، او من قطر او من نينوى. وعلى هذا المنوال يرد ذكر الاقوام في كتاب اعمال الرسل ” من فرثيين وميديين وعيلاميين وسكان ما بين النهرين… ورومانيين… وكريتيين وعرب ” (اعمال 2، 9-11) فعلى الرغم من ان الجماعة الحاضرة في علية اورشليم يوم العنصرة كانت جميعها من الحجاج اليهود، الاّ أن هويتهم المدنية حددها الكتاب بالنسبة الى الاقاليم التي يسكنونها.

          من الثابت في الوثائق التاريخية ان النواة الاولى للمهتدين الى المسيحية في بلاد النهرين وفارس تشكلت من الجماعة اليهودية العريقة في هذه البقاع، ثم تبع هؤلاء المؤمنين الاوائل جموع من مختلف المناطق والخلفيات. وفي كل الاحوال لم يضف الاهتداء الى المسيحية عنصراً مدنياً جديداً على عناصر الهوية المشتركة مع بقية سكان البلاد. انما تميزت جماعة المؤمنين عن بقية اهل البلاد بالانتماء الى البنية الكنسية التي شكلها الدين الجديد والارتباطات الاجتماعية والثقافية التي تبعتها. اي ان معتنقي المسيحية من اهل البلاد مكثوا على هويتهم المدنية التي تسلسلت اليهم من آبائهم سكان بلاد النهرين القدامى. وهوذا وصف لمشهد المؤمنين، يحصدهم سيف الاضطهاد الشابوري (340-379) على مسمع ومرأى من جمهور الشعب القائم حولهم، كما جاء في ترنيمة طقسية معاصرة للاحداث:

” ان ملك العُلى مع جنده، كان في عون جمع المؤمنين. فقد صدر الامر : ان يقتل الشهداء الابرار بحد السيف. بُهت الكلدان وهم وقوف، ورفعوا الاصبع، قائلين : عظيمٌ إله المؤمنين، فهو يخلصهم وإن هو لا يُرى ” (من ترانيم الشهداء المخصصة لرمش الجمعة). فانظر كيف ان المؤلف يسمّي الشعب القائم يومذاك كلداناً يرفعون اصبعهم علامة التشَهُّد ببطولة الشهداء.

          وعندما توجّه الاسلام نحو بلاد النهرين وفارس، إكتسح معاقل الدولة الساسانية وتغلغل تدريجياً في ربوع البلاد شمالاً وجنوباً، حتى تأسست الدولة العباسية وتمركزت في بغداد، العاصمة الجديدة، واصبحت الثقافة العربية الاسلامية هي الثقافة الرسمية للبلاد، واضحى ما سواها ثقافات هامشية محصورة في محيطها، ومنها الثقافة الأرامية، فرضت عليها الاحوال الجديدة ان تنحسر تدريجياً الى الديورة والكنائس والربوع الخالية. اما المسيحيون، فقد جعلهم الاسلام ” اهل ذِمَّة ” ” يدفعون الجزية وهم صاغرون “. وكان تنظيمهم بحسب تقسيامتهم الدينية وما يتبعها من تفرعات طائفية،  وهكذا اضحت تسمية النساطرة واليعاقبة هي التسمية الشائعة والمعبرة عن هويّة المسيحيين في دوائر الدولة العباسية، وفي ادبيات ذلك العصر، يخضعون في امور دينهم لرؤساء كنائسهم وقوانينها، وفي امور دنياهم لنظام احوال مدنية، أملته الدولة عليهم في إطار ممارسات تتراوح بين المضايقة والتسامح.

          إن المفهوم القومي بالمعنى المعاصر، أي الشعور بالإنتماء إلى مجموعة معينّة يشدّها الترابط الثقافي والوجداني والجغرافي والتتابع التاريخي، قضية توضّحت تدريجياً ابتداءً من العصور الوسطى، متزامنة مع التغلغل المغولي الذي اقتحم حواجز الدولة العباسية والتنظيمات الإدارية التي انبثقت منها، حتى تبلورت الهويّة القومية بمعالم واضحة في العصور الاخيرة. وسنرى كيف ان الأسم الكلداني كان المحور والمرجع الأثبت والأرجح الذي تبلور حوله الوعي القومي عند مسيحيي بلاد الرافدين في مختلف اطوارهم. فإلى الوثائق:

1.      شهادات السّواح الغربيين

إن شهادات السّواح مهمة جداً، وهي أهم من طروحات وفذلكات بعض المستشرقين الذين يقتنون معلوماتهم من كتب ومصادر في مقرات عملهم بدون الإحتكاك الشخصي باهل الشرق وواقعهم واحوالهم. أما السوّاح فلأنهم يكتبون ما يرون ويسمعون، لذلك هم مصدر أكثر أمانةً ومطابقة للواقع الشرقي في حقيقته. فهوذا بعضاً من شهاداتهم:

Ø        ماركو بولو الذي قام برحلة مع والده وعمّه من 1271-1291، سجّل لاحقاً مذكراته في كتابه Il Millione، (طُبع برعاية روجيرو روجيري في فلورنس، 1986)، ونحن نورد منها المقطع التالي في ترجمة مباشرة عن الإيطالية : ” الموصل موقع كبير، فيها من القوم مَن يُدعون عرباً… وفيها قوم آخرون يتخذون الشريعة المسيحية ولكن ليس بحسب ما تأمره الكنيسة الرومانية… إنهم يدعون نساطرة ويعاقبة، وإن لهم بطريركاً يدعى جاثاليقاً. وهذا البطريرك يصنع اساقفة ورؤساء اساقفة ورؤساء ديورة، حتى في بلاد الهند، وفي بغداد وفي بلاد الصين… وفي جبال هذه المملكة هناك ايضاً قوم من المسيحيين يدعون نساطرة ويعاقبة (ص 122).

Ø        ريكولدو دي مونتي كروجيي (في مذكراته Peregrinationis Liber  نُترجم مقطعاً منها مباشرة عن الاصل اللاتيني الذي كتبه المؤلف سنة 1292 وقد طُبع مؤخراً مع ترجمة فرنسية) : “عن النساطرة … ان النساطرة هم الهراطقة الذين يتبعون نسطوريوس وتيودوروس…مع ذلك فإن هؤلاء النساطرة الشرقيين هم جميعاً كلدان وبالكلدانية يقرأون ويصلون “. (صفحات 136-138).

“عن قوم الاكراد..انهم مسلمون يتبعون القرآن…اظهروا انفسهم انسانيين كثيراً معنا…لقد كانوا من قبلُ كلداناً ثم اصبحوا مسيحيين وفي مرحلة ثالثة مسلمين، لان الشريعة الإسلامية هي اكثر تساهلاً “. (ص 118-120).

Ø        جوفاني الراهب الدومنيكي الايطالي _ رئيس اساقفة السلطانية

(في مذكراته Libellus de Notizia Orbis المسجلة باللاتينيةا في سنة 1404، طبعة انطون كيرن الآلمانية ، 1938) : ” إلى الجنوب الشرقي من فارس، هناك بلاد كلدو وهي نقطة في أقصى الشمال من مملكة الكلدان- التي تبدأ من مدينة  تسمى مراغا، وهي تمتد جنوباً حتى بحر المحيط، ومدينتهم الرئيسية بغداد، التي هي في الكتاب المقدس بابلونيا وإن ليست في نفس الموقع إذ إن هذه على الفرات. في هذه المملكة سهول كثيرة وجبال قليلة ومياه شحيحة تجري في المنطقة. هناك شعب كثير من العرب والكلدان والسريان والنساطرة والارمن والكاثوليك. وقد بعثت أنا إلى هؤلاء الكاثوليك راهباُ واحداً مما أزاد عدد هؤلاء الكاثوليك! ” (ص 117-119).

          فانظر كيف أن هؤلاء السوّاح، الذين يسبقون البابا اوجين الرابع بأجيال، ويسبقون بمثلها إتحاد المشارقة بروما، يتحدثون بإطلاع ووضوح عن الكلدان وعن بلاد كلدو وعن اللغة الكلدانية، ويميزون تماماً بين القومية والدين، وبين المذهب النسطوري واليعقوبي والكاثوليكي. وأنظر كيف أن التسمية الآثورية او الآشورية غائبة تماماً عن ساحة الواقع التاريخي الذي يشهدون عليه.

Ø      بين المطران طيماثوس الكلداني والبابا أوجين الرابع

          إنه ليعتريني العجب والأسف أن ألاحظ مجموعة من إخوتنا الكتّاب المثقفين يرددون معزوفة مفادها ان البابا أوجين الرابع (1441-1447) هو الذي ” أنعم ” على النساطرة الذين اتحدوا بروما بلقب الكلدان، الامر الذي تبعه لاحقاً لقب بطريرك الكلدان، بدون أن يكّلف احدُ من هؤلاء الكتاّب نفسه بالإستفسار عن النص الأصلي ومعناه وفحواه. ومع أن النص المقصود يرتقي إلى سنه 1445، وهو متوفر في المصادر المعروفة لدى الباحثين، إلاّ انني اقّر بعجزي عن اكتشاف اي ايرادٍ او استعراضٍ لهذا النص اللاتيني، او لترجمةٍ له، في ايٍ من الكتب والمقالات التي تردد كالببغاء مقولة تقلبه رأساً على عقب. وقد يؤول ذلك إلى كونه بلغة لاتينية متينة ليس من السهل ترجمتها، ولذا فقد التزمت بترجمته ضمن مقالة كنت قد نشرتها في مجلة ” بين النهرين ” سنة 1996  (العدد 95/96 ص 181-203  بعنوان ” كنيسة المشرق بين شطريها “).

فإلى الوثيقة الفاتيكانية:

عندما أبرم المطران طيمثاوس، أسقف نساطرة قبرص، وثيقة الإتحاد مع روما سنة 1445 م ومعه مطران الموارنة فيها، كان عليه أن يستبدل لقبه النسطوري المرتبط بالمذهب الذي هجره، بلقب آخر تتبين منه هويته. فوقّع وثيقة الإتحاد هكذا : ” أنا طيمثاوس رئيس اساقفة ترشيش على الكلدان ومطران الذين هم في قبرص منهم، اصالة عن ذاتي وبإسم كافة الجموع الموجودة في قبرص، أعلن وأقر وأعِد أمام اللـه الخالد الآب والإبن والروح القدس وأمامك أيها الأب الأقدس والطوباوي البابا أوجين الرابع وأمام هذا المجمع (اللاتراني) المقدس، بأنني سأبقى دوماً تحت طاعتك وطاعة خلفائك وطاعة الكنيسة الرومانية المقدسة على أنها الأم والرأس لكافة الكنائس (عند شموئيل جميل، كتاب العلاقات، روما 1902، ص 10).

          ويعلّق المرسوم البابوي الذي أصدره أوجين الرابع في 7 آب 1445 م على ذلك بقوله : ” وطيمثاوس ذاته، أمامنا في المجمع اللاتراني المسكوني وفي جلسته العامة، أعلن بإحترام وتقوى صيغة إيمانه وتعليمه أولاً بلغته الكلدانية، ثم ترجمت إلى اليونانية ومنها إلى اللاتينية “. وبناء على هذا الإعلان الوحدوي، فإن أوجين الرابع يمنع في مرسومه الآنف ذكره أن يسمّى أحد الكلدان فيما بعد نساطرة، كما يمنع في الموضوع عينه أن يسمّى الموارنة هراطقة، ومن ثمة يساوي الكلدان والموارنة بالحقوق والإمتيازات الدينية مع كافة الكاثوليك. (عند شموئيل جميل، ص 11).

واضح من النص وضوح الشمس أن البابا أوجين الرابع إنما يستشهد بما عرضه المطران طيماثوس ذاته، بقلمه ولغته، ويردد نصاً من تأليف هذا المطران كتبه وقرأه بلغته الكلدانية ومنها ترجم أولاً إلى اليونانية ثم إلى اللاتينية. وعسى أصحاب المعزوفة يدّعون استطراداً أن أوجين الرابع ” أنعم ” كذلك  باللغة ” الكلدانية ” على المطران طيماثوس وشعبه ما دام الحديث عنها قد ورد في وثيقته، فتكتمل بهذا الإنعام الإضافي صورة الدقّة العلمية التي يتمتع بها هؤلاء الكتاّب.

وإذا شئنا أن نفهم معنى الإنعام الوارد ذكره في النصوص المتعلقة بهذا الموضوع، فإنما المقصود به الإعفاء من ضرائب الإقامة التي كانت مفروضة على الأجانب والهراطقة الوافدين إلى قبرص، ولا دخل له إطلاقاً بإسباغ هويـّة قومية جديدة لشعب ما- وقد شمل هذا الإعفاء من الضرائب الكلدان والموارنة لأنهم تساووا مع بقية السكان، إذ اتحدوا مع الكنيسة الكاثوليكية، في الحقوق والإمتيازات المدنية.

>نشرت اولاً في مجلة نجم المشرق عدد (46) السنة الثانية عشرة (2) 2006 (ص 187-192)<