News Ticker

Chaldean Culture – الهوية الكلدانية في الوثائق التاريخية

القسم الثاني

Chaldean Culture

الهوية الكلدانية في الوثائق التاريخية

****************** 

(القسم الثاني)

بقلم المطران  د. سرهد يوسپ جمّو

هوية ابناء كنيسة المشرق

عند تثبيت شمعون سولاقا بطريركًا كاثوليكيًا على كنيسة المشرق (وشمعون هو الإسم الذي اتخذه سولاقا عند رسامته الأسقفية)، جاء لقبه في الوثائق الرومانية هكذا: “بطريرك كنيسة الموصل في آثـور” باعتبار ان الموصل كانت المدينة التي توجّهت منها إلى الحبر الاعظم رسالة المجموعة التي انتخبته بطريركًا، جديداً، ولا شك ان هذا اللقب لا ينطوي بوضوح على أيّ طابع شامل للكنيسة المعنية كما أنه لا يشير بجلاء إلى هويّة الشعب الذي ينتمي إليها، إنما يعكس الطابع المحلي الذي انطلقت منه الرسالة المذكورة، وهذا دليل آخر على ان روما كانت تطلق في مراسيمها نفس التسميات التي كانت تعرض عليها من اصحابها. غير ان الأمور سوف تتطور سريعًا بإتجاه أكثر دقّـة وتحديدًا ما إن تحتك روما إحتكاكًا مباشرًا وشاملاً بأبناء كنيسة المشرق.

إن روما، لكي تضمن تتابع مسيرة الإتحاد مع أبناء كنيسة المشرق، بعثت مع شمعون سولاقا إثنين من مرسليها لتوطيد أُسس التعليم الكاثوليكي في نفوس رعيته، هما امبروزيوس الذي عُيّن سفيرًا بابويًا في بلاد المشرق والأب زهارا الراهب، وعند عودتهما بعد ثلاث سنوات قدّمت الدائرة الرومانية المختصة تقريرًا عن نشاطهما إلى الحبر الأعظم نقدّم ترجمة حرفية عن الأصل اللاتيني لمقطع منه:

“في بلاد ما بين النهرين، آثور وكلدو، حيث مكث (المرسَلان) فترة ثلاث سنوات، واعظين بكلمة اللـه، بيقظة وأتعاب جمّة، تلك الشعوب التي كانت تعتنق خطا نسطوريوس الذي نسبةً إليه دعوا نساطرة، معلّمين ومهذّبين إياهم في نزاهة التعليم الكاثوليكي .. حتى إنهم أضحوا يستنكرون إسم نسطوريوس، ويرغبون في أن يُدعوا كلداناً (عند فوستي، حوليات رهبنة الوعاظ الدومنيكان، المجلد 32 (1925)، 4، ص 1-30). يتّضح إذاً، من جديد في هذا النص كيف أن أبناء كنيسة المشرق هم الذين رغبوا في أن يُدعوا كلدانًا، وليست روما هي التي “انعمت” عليهم بهذا الاسم.

ومع ذلك سينجلي لنا من الوثائق المعاصرة لتلك الحقبة أن أبناء كنيسة المشرق من سكان ما بين النهرين وتخومها، عند إنبثاق وعيهم بهويّتهم الحضارية المتميزة، تأرجحوا بين تسميتين كلتاهما تعبّر، كل من ناحية معينة، عن إنتسابهم التاريخي والقومي أو الجغرافي، وهما تسمية الكلدان والآثوريين، وسوف نرى كيف أن هذا الواقع سوف ينعكس لفترة قرن كامل في الوثائق المزامِنة.

بعد أن استشهد شمعون سولاقا على يد عملاء باشا العمادية سنة 1555، إنتخبت المجموعة الكاثوليكية من رعايا كنيسة المشرق مار عبد يشوع مارون (1555-1567) خليفة له. وندرج هنا مطلع الصيغة الإيمانية التي أبرزها البطريرك الجديد في روما في 7 آذار 1562: “أنا عبد يشوع ابن يوحنا من عائلة مارون من مدينة الجزيرة على نهر دجلة … المنتخَب بطريركًا على مدينة الموصل في آثور الشرقية” (عند جميل، ص 63)، وهنا لا زال عبد يشوع يعكس الطابع المحلي التي تميزت به الحركة الكاثوليكية في بدايتها، غير أن التقرير الذي عرضه الكردينال اموليوس لهيئة الكرادلة في المجمع التريدنتيني في 19 آب سنة 1562 يجتاز هذا الطابع المحلي في لقب البطريرك إلى طابع أكثر شمولاً، إذ يقدّم لهم البطريرك الجديد على النحو التالي: (السيد المحترم عبد يشوع بطريرك الآثوريين المنتخَب من قبل الإكليروس وبموافقة شعبهم” (جميل ص 66).

وفي رسالة رومانية مؤرخة في 1565 يمتزج الإسـمان الكلداني والآثوري في مقطع واحد. فإن البابا ﭙيوس الرابع بعث برسالة إلى رئيس أساقفة كوان في الهند، يوصي بها بالمطران اوراهام الذي أرسله البطريرك عبد يشوع إلى ملبار، يقول: “إلى هذه الأعتاب الرسولية كان قد قدم من الهند هذا الأخ الحبيب اوراهام الكلداني امةً، (مرسـلا) من قبل أخينا عبد يشوع بطريرك الآثوريين” (جميل ص 71).

أمابعد وفاة عبد يشوع فقد خلفه لفترة قصيرة مار يابالاها الذي جلس في سعرد (1578-1580)، ثم شمعون دنحا (1581-1600)، وقد بعث معاونه المطران إيليا هرمز حبيب اسمر إلى روما بتقرير بإسم البطريرك، لا زالت نسـخته محفوظـة في أرشيف الفاتيكان (AA، الخزانة 1-18، رقم 1796، ورقة 1-4) (عند بلترامي، ص 199) هذا مطلعه: “(أنا) مار إيليا رئيس أساقفة آمد في بلاد ما بين النهرين، كلداني من آثور … أعرض بـتواضع كيف ان مار شمعون سولاقا بطريرك أمّته، بعد عودته من روما، توقف في آمد فترة خمسة أشهر فقط ورسم فيها خمسة أساقفة ورؤساء أساقفة ..” وإلخ، وفي ختام التقرير يتوسل مار إيليا أن يعمم قداسة البابا على العالم المسيحي القرار الذي كان أصدره سابقًا، والذي مرّ الحديث عنه، حيث يمنع قداسته أن يطلق أحد على الكلدان المتحدين بروما اسم النساطرة، بل أن يطلق عليهم اسمهم الحقيقي وهو “الكلدان الشرقيون في آثور”.

ومن بين الوثائق المهمة التي تخص موضوعنا التقرير الذي رفعة الى الحبر الأعظم غريغوريوس الثالث عشر مطران صيدا اللاتيني واسمه ليوناردو هابيل، وقد أرسله البابا في مَهَمّة لتقصّي الحقائق في بلاد الشرق وذلك بين 1583-1585 فجاء تقريره غنيًا بالمعلومات عن أوضاع المسيحيين في الشرق الأوسط. وإذ يصل في مقاله إلى الحديث عن كنيسة المشرق يقول (ونحن نترجم هنا عن النص الايطالي): ” كذلك زرت مار شمعون دنحا بطريرك الأمة الكلدانية في آثور …” ثم يتابع التقرير شارحًا: “إن أولئك الذين من الأمة النسطورية يسكنون مدينة آمد وسعرد والبقاع والمدن القريبة، إذ تمرّدوا على بطريركهم، الذي ، حتى ذلك الحين، كان يسكن في دير الربّان هرمـزد قرب مدينة آثور- وهي تسمى اليوم بالموصل- في بلاد بابل، قدّموا الطاعة إلى الكنيسة الرومانية المقدسة على عهد حبرية البابا يوليـوس الثالث عشر الطيب الذكر واستعادوا اسمهم إذ اطلقوا على ذاتهم اسم كلدان آثور الشرقية” (عند جميل، ص 115-116).

لقد اعتقدت روما، بناء على ما عرض عليها في حينه، أن رئيس الدير سولاقا إنما انُتخب لكي يخلف البطريرك شمعون برماما، على أساس ان هذا الأخير قد توفي. ونتيجة لذلك فقد ظنت روما انها أبرمت الإتحاد القانوني مع كنيسة المشرق قاطبة. وإذ ثبت لدى روما لاحقًا ان شمعون برماما كان يومئـذ لا يزال حيًا يرزق فقد وجدت نفسها مام واقع جديد وهو انقسام كنيسة المشرق إلى مجموعتين: “المجموعة النسطورية” التي تترأسها عائلة “أبـونا” البطريركية ومقرها دير الربان هرمزد، والمجوعة الكاثوليكية برئاسة خلفاء سولاقا وقد تحوّل مقرهم من ديار بكر الى سلاماس في إيران ثم إلى قوجانـس في تركيا. وقد حدث في مطلع القرن السابع عشر ان البطريرك النسطوري (وهو عهدئذ مار إيليا الثامن من عائلة أبونا) كان يحاول الإتصال بروما مستطلعا امكانية الوصول معها إلى الإتحاد القانوني. ولذا فقد بعث مار إيليا البطريرك بيد وكيله الاركذياقون آدم تقريراً موجها إلى البابا بولص الخامس ومؤرخا في آذار 1610 (نسخته الاصلية في ارشيف الفاتيكان، مجموعة بورجا، السلسلة 3، المجلد 43، ورقة 109، وما يتبع – عند جميل ص 108-115)، والذي يهمنا هنا من هذا التقرير هو ختامه الذي جاء هكذا: “تمت هذه الرسالة التي كتبت بأمر مار ايليا بطريرك بابل …” وهذا التقرير، حسب علمي، أقدم وثيقة رسمية يعتمد فيها بطريرك المشرق ذاته لقب “بطريرك بابل”، الأمر الذي يشكّل بلا ريبة مرحلة متطورة من الوعي الذاتي والعودة إلى الأصول التاريخية، كما جاءت عند عبد يشوع الصوباوي في تآليفـه عن مجموعة القوانين السنهادوسية، الميمر التاسع؛ وتجدر الاشارة هنا الى ان هذا اللقب إستخدمه اولاً بطريرك المشرق النسطوري ذاته قبل أن يستخدمه البطريرك الكاثوليكي، وقد ورد اولاً في وثيقة بطريركية قبل أن يرد في وثيقة رومانية.

نستخلص من الوثائق التاريخية الوقائع التالية:

1.        ان الإسم الكلداني هو اسم الشعب القائم حول الشهداء الذين سقطوا بسيف الإضطهاد الشابوري إبان القرن الرابع.

2.        إن الهويّة المدنية والثقافية للمسيحيين في بلاد النهرين لم يُسمح لها بالتعبير عن ذاتها في ظل حكم الدولة العباسية، إذ أصبحت الهويّة العربية هي المهيمنة فأضحت التسمية الطائفية ’النسطورية واليعقوبية’ هي التي تشير إلى كيانهم ومجمل واقعهم.

3.        إن سقوط الدولة العباسية، وبزوغ عهد الحكم المغولي ثم العثماني، فسح المجال لتنامي الحس القومي عند المسيحيين. وقد تجسّد هذا الشعور في التسمية الكلدانية كتعبير عن الهويّة القومية بما تعنيه من محتوى ثقافي وتتابع تاريخي.

4.        إن التسمية الآثورية وردت كذلك لمامًا في غضون القرن السادس عشر إلى جانب التسمية الكلدانية، ولكنها إذ وردت على لسان أصحابها وردت دومًا بمعنى الإشارة الى المنطقة الجغرافية التي انحسرت إليها المسيحية في بلاد النهرين عهدئذٍ.

5.        إن لقب “بطريرك بابل”، الذي برز منذ القرن الرابع عشر إثر سقوط بغداد وتضعضع أهميتها، عنصر مكمّل لعناصر الهويّة التاريخية والثقافية لمسيحيي بلاد النهرين؛ فقد إندثرت المدائن التي بُنيت لتحتل مكانة بابل، وتضعضعت يومذاك بغداد التي بُنيت لتخلفها كعاصمة للدولة والبلاد؛ فكانت العودة إلى بابل تعبيراً عن الرغبة في الإنشداد إلى مرجعية تاريخية ثابتة.

 

للمقال صلة

  نشرت اولاً في مجلة نجم المشرق عدد (76) السنة الثانية عشرة (3) 2006 (ص 314-318)